في غزةَ لا تصحو الصباحاتُ على صوتِ المنبه، بل تصحو على صوتٍ ألفناهُ جيداً ... صوتُ الزنانة، تلكَ الطائرةُ الصغيرةُ التي تحومُ فوق رؤوسنا ولا تفارقُ سماءَنا، وكأنها تذكرنا – ونحنُ لم ننسَ – أنها ما زالت هناك ... وأننا ما زلنا هنا.
فتحتُ عينيَّ بكسل، نظرتُ إلى سقفِ بيتنا الذي زينتهُ الشقوق، عددتُ الشقوقَ كما افعلُ كلَّ صباح، واحد إثنان ثلاثة عشرة أربعون مئة مئة وتسعة. لم أعُدَّها حباًّ في العَد، ولكني أعدها لأن ذلك هو الشيء الوحيدُ الذي يجعل الوقتَ يمضي، فالوقتُ في غزةً طويلٌ طويل.
إسمي آدم، عمري أربعة عشر عاماً، حلمي أن أصبحَ طبيباً، ليس لأنني أحبُّ الطب بل لأن المرض هنا كثير والمرضى هنا أكثر ... والوجعُ أكبر. أمي في الخارج أمام البيت تبذلُ جهداً في إشعال النار من قطع الكرتون والدموعُ تتساقط من عينيها كحبات المطر، دموعٌ بسبب الدخان ودموعٌ بسبب الوجع والهَم. "إنهض يا آدم فعندك اليوم مدرسة، والعلمُ نورٌ يا ولدي – حتى ولو كانت الكهرباء مقطوعة – . ارتديتُ ملابسي، حملتُ حقيبتي القماشية المهترئة التي تحملُ في قلبِها أنصاف دفاتري وأرباعَ كتبي.
مشيتُ في الشارع، صمتٌ مخيف، بناياتٌ كئيبة، أناسٌ متعبون، حتى وصلتُ منزل صديقي فايز، أو ما تبقى من منزله، ناديتُ عليه فرد عليَّ من غرفته التي استطعتُ أن أراها من الشارع، فقد كانت غرفته بِلا نوافذَ وبِلا جدران، ولُعبتهُ تحتضرُ بين الركام، نظرتُ إليهِ قليلا وهمست: "رح نرجع نلعب، بس أصبُر". المعلمُ الذي جاءَ متأخراً نصفَ حصة دخل غرفة الصف المبنية من ألواح الزينكو وقطع الخشب والكرتون والقماش، تأخرَ وهو يبحثُ عن طريقٍ بديلٍ للطريق المؤدي إلى المدرسة والذي دمرهُ الاحتلال بقذيفةٍ غادرة.
ما إن بدأ المعلم الشرح حتى سمعنا صوت انفجارٍ ضخم في طرفِ المدينة البعيد، لم نأبه له، لكن بعد دقائق سمعنا انفجاراً آخر أقرب، شعرنا ببعض القلق لكننا واصلنا الدرس، ففي غزة نتعلمُ كيف يسكُننا الخوفُ بصمت ونسكنهُ بصبر. وبعد دقائق هزَّ المكانَ انفجارٌ ضخمٌ. فوراً طلب منا المعلم أن نغادر المكان إلى بيوتِنا. ركضتُ إلى البيت حيث مكثنا على ضوء الشمعة نعُدُّ الانفجارات ونرددُ معاً "غزةَ مهما تعبَت لا تنكسر". وعندما هدأ القصفُ قليلاً خلدنا إلى النوم، وفي اليوم التالي حين استيقظتُ فتحتُ عينيَّ بكسل، نظرتُ إلى سقفِ بيتنا الذي زينتهُ الشقوق، عددتُ الشقوقَ كما افعلُ كلَّ صباح، واحد إثنان ثلاثة عشرة أربعون مئة ... مئة وتسعة.