ماذا لو لم يكن المطرُ مجردَ ماء؟!
ذات مساءٍ هادئٍ وجميل جلست لَيان كعادتها قربَ نافذةِ غرفتِها تراقبُ أولى قطَراتِ المطر وهي تضربُ زجاجَ النافذةِ برفق. كان كلُّ شيءٍ عادياً ... أو هكذا ظنَّت. فكرت ... "ماذا لو كان لكل قطرةٍ قصة؟".
فجأة، لاحظت شيئاً غريباً، لقد كانت كل قطرةٍ تسقطُ تتركُ خلفها وهجاً خافتاً وكأنها تحملُ في أحشائها ذكرى شيءٍ ما، أو شخصٍ ما. مدت يدها بحذرٍ ولمست قطرةً تسللت إلى الداخل، حملت القطرةً على طرفِ إصبعِها، قرَّبتها أمام عينيها، تفحصتها ودققت النظر، وفجأةً رأت مشهداً، طفلٌ صغيرٌ يلهو بطائرته الورقية بينما أطفالٌ آخرون يتحلقون حولهُ يقفزون بسعادةٍ وكأنهم يريدون أن يطيروا مع طائرة ذلك الطفل الصغير. وانطفأت القطرة، نفضت ليان قطرة الماءِ عن إصبعها ومدة يدها لتلتقط قطرةً ثانية، دققت النظر فرأت سيدةً تجلسُ على عتبة بيتِها وهي تبكي بصمت، لم تدرِ ليان أتبكي تلك السيدة على فراقِ ولدٍ أم على موتِ عزيزٍ أم على ضيقِ حال. لكنها تمنت لو استطاعت الدخول في القطرة لتصل إلى تلك السيدةِ وتواسيها قليلا.
التقطت ليان قطرةً ثالثة ودققت النظر، فرأت رجلاً يطعمُ كلباً جائعاً تائها، ابتسمَت ونفضت القطرة عن إصبعها لتلتقطَ قطرةً رابعةً وخامسةً وسادسةً ... وفي كل مرة كانت ترى شيئا مختلفاً ... صديقُ يلتقي صديقاً، حبيبٌ يفارقُ حبيباً، أمٌّ تحتضنُ وليدها، رجلٌ يضربُ طفلاً، بائعٌ يرتبُ حانوتهُ، شرطيٌّ ينظم سيراً، عجوزٌ تحكي حكاية لأحفادها حول الموقد ...
تساءلت ليان: "هل يُعقل أن المطر يُجَملُ ذكريات الناس؟ هل يحفظُها ويطيرُ بها من بلدٍ إلى بلد؟!". خرجت ليان إلى الشرفة تحت المطر، رفعت رأسها نحو السماء، تساقطت القطراتُ على جبينها، ومع كل قطرة كانت ترى صورةً جديدةً وحكاية جديدة. "المطرُ ليس مجردَ ماء" قالت ليان، بل رسائل ضاعت من أصحابِها وسافرت بين الغيوم. بدأت تبحثُ في حبات المطر عن أشخاصٍ كانت تعرفهم ولم تعد تراهم، وعن أشخاصٍ أعزاء فقدتهم ورحلوا عن هذه الحياة، علها ترى صورةً لهم تحيي ذكراهم في قلبها.
ذات يوم وبينما كانت تلتقطُ القطراتِ كعادتها وتشاهدُ ما بداخلها من بشرٍ ومن صور. التقطت ليان قطرةً على طرف إصبعها، دققت النظر، فرأت نفسَها. أجل، رأت نفسها تبكي قرب النافذة، نفس النافذة التي تقف عندها. "هل يعني ذلك بأنها هي أيضا ستصبحُ ذكرى؟ مجردَ صورةٍ في قطرة؟!" سألت نفسها.
رفعت رأسها نحو السماء وهمست "إذا كانَ المطرُ يحملُ قصصنا فربما يجبُ أن نعيشَها بشكلٍ أجمل". فكرت ليان قليلا "ماذا لو كانت هناك فتاةٌ أخرى في مدينةٍ أخرى تقف على نافذةٍ أخرى كنافذة غرفتي وتحملُ على طرفِ إصبعها قطرةَ مطر تراني من خلالها؟!".
منذ ذلك الشتاء، أصبحت ليان تحملُ قطرات المطر وتجمعُ القصص التي تحملُها والذكريات التي تحويها وتدونها في دفتر مذكراتِها. ومع الوقت أصبحت ليان تعرف المئات من القصص التي لا يعرفها أحد سواها: حبٌ لم يكتمل، اعتذارٌ لم يُقال، حلمٌ لم يتحقق، أصدقاء لم يلتقوا، غائبٌ لم يعد، شملٌ التأم، حلمٌ تحقق، فرحٌ اكتمل ... وماذا لو تمكنت من أعادت كل تلك الذكريات إلى أصحابها؟!!