ليلةٌ هادئة، صمتٌ أثقلُ من الكلمات ونورٌ باهتٌ يتسللُ من نافذة غرفته. أخرج ورقةً وقلما، تردد قليلا، كتبَ اسمهُ في كعبِ الورقة، وضع القلم فوق الورقة وأغمض عينيه. فكر في كتابة اعترافاته، فكر في أن يقولَ لها: "سامحيني لقد كنتُ قاسياً لأنني كنتُ خائفاً". لكنه لم يكتب شيئا، أمسك بالورقة الرسالة، طواها طويتين وأودعها جيبَهُ ونام.
في الصباح أخذ رسالته وخرج من البيت وتوجه من فوره إلى مكتب البريد، وقف أمام صندوق البريد، أخرج الرسالة من جيبه، تأملها للحظاتٍ ثم أعادها إلى جيبه. "ليس الآن" قال في سرِّه. ومرت الأيام والرسالة في جيبه، يأخذها كل أسبوعٍ لصندوقِ البريدِ ثم يعيدها حتى بدأت أطرافها بالتآكل، لقد كانت الرسالة تتآكل وكان قلبهُ يتآكلُ معها. وحين جاء اليوم الذي قرر فيه أن يرسل الرسالة كان الأوانُ قد فات.
لقد رحلَت، ربما إلى حياةٍ أخرى، ربما إلى قلبٍ آخر، أو ربما إلى شخصٍ آخر كتب لها رسالةً ولم ينتظر مثلي فسبَقني وأرسلها. لكن رغم ذلك لا زلتُ أؤمنُ بأن أصدق الرسائل هي تلك التي لم تُرسَل بعد.