كان يجلسُ على قارعة الطريق مبللاً تحت المطر، ثيابهُ رثةٌ قديمة وحذاؤه بالٍ ممزق، يحملُ بين يديه علبة علكةٍ صغيرة. وكنتُ أسيرُ في طريقي إلى المدرسة حين رأيتهُ يرتجفُ من البرد، تقدمتُ نحوه وسألته: "ما بك أيها الطفل الصغير ولماذا لست في البيت؟". أجابني: "لأن عمي أجبرني على بيع العلكة في الشارع وحذرني من العودة دون أن أبيعها كلها". "وهل والدك موافق على ذلك؟" سألته، "أبي ميت، وأمي أيضاً وأنا أعيش في بيت عمي القاسي اللئيم" أجابني والدموعُ تنهمرُ من عينيه.
فهمتُ قصة ذلك الطفل المسكين البريء. عدتُ أدراجي إلى البيت وأخبرت أمي عنه، فقامت أمي بإعطائي بعض الطعام والنقود، وأنا اخترتُ له بعضاً من ملابسي وحذاءً جيدا. عدت إليه وأعطيته الملابس والحذاء والطعام والنقود.
لا تتخيلوا مدى الفرحة التي شعر بها ذلك الطفل اليتيم، ومدى الفرحة التي شعرتُ بها أنا أيضا، فلا أجمل ولا أحلى من جبرِ الخواطر. حضنتهُ وطيَّبتُ خاطرهُ وذهبت.
حين وصلتُ المدرسة كنت قد تأخرتُ نصفَ ساعةٍ عن الحصة الأولى، وحين وبَّخني الأستاذُ على تأخري أخبرته عن السبب، هنا هدأ الأستاذ وحيّاني على طيبة قلبي وتصرفي النبيل وطلب من كل زملائي أن يصفقوا تحيةً لي.