هناكَ لحظاتٌ يشعرُ فيها الإنسانُ أن الكلمات هي اليدُ الوحيدةُ التي تمتدُّ إليه حين يتخلى عنه كل شيء. في تلك اللحظات لا يكون الحبرُ مجرد لونٍ على الورق، بل يصبحُ نافذةً صغيرةً يطلُّ منها الضوءُ على الروح، ومساراً هادئاً يستطيعُ القلبُ أن يسيرَ فيه دون خوف.
فكثيرةٌ هي دروبُ الحياة، بعضُها مضيءٌ وبعضُها مظلم، لكنني دائمةُ البحثِ عن شعاعٍ يهديني. مهما تعثرت خطواتي وتسلل اليأسُ إلى قلبي، أرفعُ رأسي عالياً وأواصلُ المسيرَ نحوَ أحلامي. يومي يمضي وأحلامي تكبرُ بداخلي تحملُني إلى ما لا أراهُ الآن بل ربما أراهُ غداً. مليءٌ قلبي بالشغفِ والإصرار فلا شيء يستطيعُ إيقافي، فبداخل كل صمت أسمعُ صوتَ أملٍ يناديني للاستمرار.
أرى ظلالَ أحلامي تتراقصُ بين نهارٍ وليل، كأنها همساتٌ لم تُقَل بعد، أو وعودٌ لم تكتمل. أمضي طويلاً في دروبِ غربتي فدربي طويلٌ والدروبُ عواثرُ. وتلوحُ الذكرياتُ بكلِّ دربٍ لأهربَ من شَتاتي للشتات وما بي غيرُ شوقٍ لا يُداوى، وبعضُ الشوقِ أشبهُ بالممات. وإن طالت الأقدارُ وامتدت الأسفارُ وتعثرتُ بالعوائقِ فلا بد في النهايةِ من فجرٍ تشرقُ فيهِ شمسُ الحياة.
حينها سأكتبُ كلَّ شيء، فالكتابةُ ليست هروبٌ، بل هي عودةٌ إلى الذات حين تضيع، وإلى المعنى حين يتبعثر، وإلى صوتٍ داخليٍّ خافتٍ لم يقدر سواكَ على أن يسمعه. كلُّ كلمةٍ تُكتبُ هي محاولةٌ لترتيبِ الداخل، لجمعِ ما تكسَّرَ دونَ أن نروي الحكايةَ لأحد، لفهمِ ما يقالُ وما يختبئُ خلفَ زِحامِ الأيام ... الحبرُ لا يخلصُنا بمعجزة، بل يعلمُنا كيف نصبرُ وكيفَ نقفُ من جديد، وكيفَ نعطي الألمَ شكلاً يمكنُ تحملُه بعد أن كان عبئاً ثقيلاً فوق صدرِ الروح.