كانت ليلةً هادئة، هادئةً أكثر من المعتاد، جلستُ بسَكينةٍ قرب النافذةِ أراقبُ السماءَ وكأنني أراها للمرة الأولى، أبحثُ عن شيءٍ ضاعَ مني. بين يدي كانت صورةٌ قديمةٌ لي وأنا صغيرةٌ ألهو بألعابي في غرفتي وأضحك من كل قلبي ضحكةً ضاعت مني منذ سنين. تمتمتُ: "ليتني أعودُ لأعيشَ تلكَ اللحظةِ مرةً أخرى".
فجأة – رغم أن النافذةَ كانت مغلقة – شعرتُ بنسمةٍ باردةٍ تداعبُ وجهي، جفلتُ فسقطت الصورةُ من يدي واستقرت تحت السرير، حين انحنيتُ لألتقطَها رأيتُ شيئاً يلمع. دقَّقتُ النظرَ فإذا به مفتاحٌ ذهبيُّ اللونِ غريب الشكل، مددتُ يدي وأمسكت به، لا أعرف ماذا حصل لحظتها لكنني رأيتُ نفسي أنظرُ إلى نفسي في نفس الغرفة مع نفسِ الألعاب في نفس ذلك العمر، لقد عدت بالزمن، أجل عدتُ بالزمن عشرينَ عاماً.
المكان دافئ، الألعاب جميلة، الهدوء رائع، وها أنا أمامي أضحكُ ضحكةً صافيةً بريئةً من كل قلبي. اقتربتُ مني وكدتُ أعانقني لكنني غيرتُ رأيي في اللحظة الأخيرة، خفتُ إن أنا عانقتُني أن أخافَ مني وأختفي. وانهمرت دموعي بصمتٍ وهدوء دون أن أُشعِرَني، لم تكن دموعَ حزنٍ لا، لقد كانت دموعَ حنينٍ واشتياق.
فجأة بدأ كل شيء حولي يتلاشى شيئاً فشيئاً كما يتلاشى الضبابُ عن الشوارعِ وينقشعُ بصمت. وقبلَ أن أتلاشى أنا أيضاً همستُ لي: "خليكي زي ما إنتي لا تخافي". ثم عدتُ لغرفتي، جالسةً أمام نافذتي، أحملٌ صورتي وأبتسم.
ولأولِ مرة في حياتي لم أتمنى العودة للماضي لأنني فهمتُ الآن أن الماضي لم يكن أجمل لأنه كان أفضل، بل كان أجمل لأنه كان أنا، أنا قبلَ أن أتعلمَ كيف أحزن.