

غزل مهنا 15 عاماً – أكاديمية المدربين، طولكرم
جلس على مقعده في حديقة البيت يحتسي قهوته بهدوء، أخذ يرتشف القهوة من فنجانه وهو يستمتع بأشعة الشمس الدافئة والنسيم الربيعي العليل. نظر أسيد باتجاه السور ليلفت انتباهه أن ظل السور…

سندس فتحي دامو 27 عاماً – أريحا
رَحَلَ دُونَ أَنْ يَتْرُكَ لِي شَيْئًا يُذَكِّرُنِي بِهِ. أَبِي، كُنْتُ فِي الْعَاشِرَةِ مِنْ عُمْرِي حِينَ رَحَلَ. كَانَتْ أُمِّي تُخْبِرُنِي عَنْهُ أَحْيَانًا حِينَ أَسْأَلُهَا عَنْهُ، فَكُلُّ مَا يَلُوحُ فِي ذَاكِرَتِي صُوَرٌ ضَبَابِيَّةٌ لِأَبٍ قَاسٍ عَصَبِيٍّ.

وَمَرَّتِ الْأَيَّامُ، وَذَاتَ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الْإِجَازَةِ الصَّيْفِيَّةِ دَعَتْنِي أُمِّي لِأُسَاعِدَهَا فِي تَرْتِيبِ الْمَنْزِلِ وَالتَّخَلُّصِ مِنْ بَعْضِ الْأَغْرَاضِ الْقَدِيمَةِ. وَبَيْنَمَا كُنْتُ أُرَتِّبُ الْعِلِّيَّةَ فِي بَيْتِنَا لَفَتَ انْتِبَاهِي صُنْدُوقٌ كَرْتُونِيٌّ مُحْكَمُ الْإِغْلَاقِ. تَمَلَّكَنِي الْفُضُولُ وَالرَّغْبَةُ فِي مَعْرِفَةِ مَاذَا يُوجَدُ فِي دَاخِلِ الصُّنْدُوقِ. أَنْزَلْتُ الصُّنْدُوقَ مِنَ الْعِلِّيَّةِ وَأَخَذْتُهُ إِلَى غُرْفَتِي، فَتَحْتُهُ فَإِذَا بِهِ مَلِيءٌ بِبَعْضِ مُتَعَلِّقَاتِ وَالِدِي رَحِمَهُ اللهُ. عَدَدٌ كَبِيرٌ مِنَ الصُّوَرِ، نَظَّارَةٌ طِبِّيَّةٌ، غَلْيُونٌ، عُلْبَةُ تِبْغٍ، مَنَادِيلُ قُمَاشِيَّةٌ بِاللَّوْنَيْنِ الْأَخْضَرِ وَالْأَزْرَقِ، كَامِيرَا قَدِيمَةٌ، عَدَسَةٌ مُكَبِّرَةٌ ... وَشَرِيطُ تَسْجِيلٍ.
تَفَقَّدْتُ الْأَغْرَاضَ وَشَاهَدْتُ الصُّوَرَ ثُمَّ أَمْسَكْتُ بِالشَّرِيطِ وَقَرَأْتُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ "إِلَى ابْنَتِي وَدّ ... مَعَ حُبِّي". شَعَرْتُ بِأَنَّ الدُّنْيَا دَارَتْ بِي، شَعَرْتُ بِأَنَّنِي سَأَفْقِدُ وَعْيِي. أَمْسَكْتُ الشَّرِيطَ، أَحْضَرْتُ جِهَازَ الْمُسَجِّلِ بِسُرْعَةٍ، وَضَعْتُ الشَّرِيطَ فِي الْجِهَازِ بِيَدٍ مُرْتَعِشَةٍ وَضَغَطْتُ زِرَّ التَّشْغِيلِ: "ابْنَتِي الْوَدُودَةُ وَدّ، لَا بُدَّ أَنَّكِ مَنْ وَجَدَ هَذَا الشَّرِيطَ، لَطَالَمَا كُنْتِ فُضُولِيَّةً وَتُحِبِّينَ النَّبْشَ فِي الْخَزَائِنِ وَالْجَوَارِيرِ وَكُلِّ شَيْءٍ" ... تَنْهَمِرُ دُمُوعِي وَأَنَا أَسْتَمِعُ، لَقَدْ كَانَ مُنْتَبِهًا لِصِفَاتِي وَتَصَرُّفَاتِي ... "أَعْلَمُ يَا ابْنَتِي أَنَّكِ مَذْهُولَةٌ مِنْ كَلَامِي هَذَا"، نَعَمْ أَنَا مَذْهُولَةٌ وَمَصْدُومَةٌ وَمَشَاعِرِي مُخْتَلِطَةٌ بَيْنَ الْمُفَاجَأَةِ وَالْفَرَحِ وَالْحُزْنِ مَعًا. "عِنْدَمَا بَدَأَ الْمَرَضُ يَأْكُلُنِي وَشَعَرْتُ بِقُرْبِ نِهَايَتِي وَقُرْبِ مُغَادَرَتِي لِهَذَا الْعَالَمِ فَكَّرْتُ فِي أَكْثَرِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي نَدِمْتُ عَلَى فِعْلِهَا أَوْ عَلَى عَدَمِ فِعْلِهَا. وَاكْتَشَفْتُ أَنَّ أَكْثَرَ مَا نَدِمْتُ عَلَيْهِ هُوَ الْقَسْوَةُ الَّتِي وَرِثْتُهَا عَنْ وَالِدِي وَعَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى أَنْ أُعَبِّرَ لَكِ عَنْ مِقْدَارِ حُبِّي لَكِ". أَوْقَفْتُ الشَّرِيطَ قَلِيلًا وَبَكَيْتُ كَثِيرًا، ثُمَّ تَمَالَكْتُ نَفْسِي، جَفَّفْتُ دُمُوعِي وَشَغَّلْتُ الشَّرِيطَ مِنْ جَدِيدٍ، "ابْنَتِي الْحَبِيبَةُ، لَمْ أَمْتَلِكِ الشَّجَاعَةَ لِلْجُلُوسِ مَعَكِ يَوْمًا وَالِاعْتِذَارِ لَكِ عَنْ بُعْدِي عَنْكِ وَعَدَمِ قُرْبِي مِنْكِ".

تَابَعْتُ الِاسْتِمَاعَ لِلشَّرِيطِ وَنَهْرُ الدُّمُوعِ الْجَارِي عَلَى وَجْنَتَيَّ لَا يَتَوَقَّفُ. لَقَدْ تَذَكَّرَ أَوَّلَ خَطَوَاتِي، وَأَوَّلَ رَسْمَةٍ رَسَمْتُهَا فِي الرَّوْضَةِ، وَأَوَّلَ شَهَادَةٍ مَدْرَسِيَّةٍ، وَالْفُسْتَانَ الْأَحْمَرَ الْمُوَرَّدَ الَّذِي ارْتَدَيْتُهُ فِي الْعِيدِ ... لَقَدْ تَذَكَّرَ كُلَّ شَيْءٍ، كُلَّ شَيْءٍ.
هَذَا الشَّرِيطُ جَعَلَنِي أَتَعَرَّفُ عَلَى أَبِي الْجَدِيدِ مِنْ جَدِيدٍ. وَآخِرُ جُمْلَةٍ كَانَتْ "عَبِّرِي عَنْ حُبِّكِ لِمَنْ حَوْلَكِ يَا ابْنَتِي قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ، فَالْحُبُّ كَالسِّحْرِ يُشْفِي كُلَّ عِلَّةٍ".

حَضَنْتُ الشَّرِيطَ وَتَكَوَّرْتُ فَوْقَ سَرِيرِي وَغَفَوْتُ وَالدُّمُوعُ تَغْسِلُ هُمُومِي، وَاسْتَغْرَقْتُ فِي نَوْمٍ عَمِيقٍ، وَصِرْتُ مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، لَا أَنَامُ إِلَّا عَلَى صَوْتِ أَبِي.
النِّهايَة