كان ذلك القصرُ يثيرُ فضول ثائر كثيراً، وقد فكر أكثر من مرة بأن يذهب إليه ليدخله ويستكشفه، لكن والده كان يحذرهُ دائماً من دخوله قائلاً له بأن ذلك القصر الذي كانَ يسميه أهلُ القريةِ بقصرِ الظلام مسكونٌ بأرواحٍ شريرةٍ وما دخَلهُ أحدٌ إلا وأصابهُ مسٌ من الجنونِ أو ابتُلي بمصيبةٍ ما. لكنَّ الفضول كان يدفعُ ثائر لمخالفةِ أوامرِ والده والتوجهِ إلى ذلك القصر المقابلِ لبيته.
وذات يومٍ وبينما كان ثائر يلعبُ في حديقةِ منزلهِ سمعَ صوتاً خافتاً يصدر من داخل القصر، أصيبَ ثائرُ بالدهشة واصغى السمعَ جيدا ... "تعال ... تعال" كان الصوتُ يقول. وما شعر ثائر إلا وقدماه تقودانه باتجاه القصر. حين وصل القصر توقف هناكَ يتأملُ جدرانه الشاهقة الداكنة وبابَه الضخمَ المصنوعَِ من الخشبِ القديمِ المهترئ. تقدمَ بخطواتٍ مترددة، وبيدٍ مرتجفة أمسك بمقبض البابِ وأداره، لينفتح البابُ من فوره، تردد ثائر قليلاً، أرادَ أن يعودَ أدراجهُ، لكنه شجَّع نفسهُ، أخذ نفساً عميقاً وتقدم، وما خطى عدة خطوات حتى انغلقَ بابُ القصر بقوةٍ جعلت ثائر يشعرُ بأن قلبهُ قد قفز من مكانه. حاول أن يفتحَ الباب لكن دون فائدة، فقد كان البابُ من الداخلِ بلا يد. عندها سمع نفس ذلك الصوت يهمسُ
- لا تتعب نفسك ...
التفتَ ثائر ناحية الصوت فإذا بعجوزٍ طاعنةٍ في السنَِ محنيةِ الظهرِ عيناها وكأنهما جمرتان تنظران إليهِ دونما رَمشةٍ واحدة.
- من أنتِ؟!
- أنا ظلامُ هذا القصر
- ظلامُ هذا القصر؟ ماذا تقصدين؟!
- أنا أعيشُ في هذا القصرِ منذ كنتُ في نفسِ عمرِكَ يا ثائر
- وأنتِ في مثل عمري؟! ... ثم، كيفَ عرفتِ اسمي؟!
- أنا أعرفكَ منذ ولادتك، وقد انتظرتُ هذا اليوم بفارغِ الصبر
- انتظرتِ هذا اليوم؟ ماذا تقصدين؟
- نعم، أريدكَ أن تنهي لعنةَ هذا القصر، أنتَ الوحيدُ الذي تستطيعُ فعلَ ذلك
- كيف؟
- ردِّد الكلمات المكتوبة في هذه الرسالة مرتين
وناولتهُ ورقةً صفراءَ مطويةً، فتحها وقرأ ما بها بصوتٍ عالٍ مرتجف
- النورُ في قلبي ونورُ القلوبِ يضيءُ الدنيا ولا ينطفئ ... النورُ في قلبي ونورُ القلوبِ يضيءُ الدنيا ولا ينطفئ ...
وما إن أتم ثائر قراءة الكلمات حتى أضاءَ القصرَ نورٌ ساطعٌ كنور الشمسِ عند الصباح، نظر ثائر حوله فوجد بأن القصرَ قد تحولَ إلى مكانٍ زاخرٍ بأبهى الألوانِ وأجملَ الأثاث وأروعَ الستائرِ وأحلى الأزهار. تلفت ناحية العجوز فوجدها قد اختفت. عاد ثائرٌ إلى بيته وأخبر والده بما حصل معهُ في قصرِ الظلام، في البداية لم يصدقه والده، لكنه حين ذهب إلى القصر ووجده قد تغير تماما ذُهل ولم يصدق عينيه.
جاءَ أهلُ القرية كلهم إلى القصر، وحين عرفوا الحكاية قال أحدهم "إنها مينا، الطفلة الصغيرة التي اختفت آثارها منذ عشرات السنين، هكذا قال جدي لي يوماً، البعض قالَ قُتلت والبعضُ قالَ اختُُطفت والبعضُ الآخرُ قال أنَّ لعنةً حلت عليها لا يزيلُها إلا قلبُ طفلٍ عامرٍ بالصدقِ والبراءةِ والمحبةِ والطهارة، ويبدو أن ذلك الطفل هو ثائر، وأنها كانت بانتظار هذا اليوم حتى تتخلصَ من لعنتها".
ومنذ ذلك اليوم أصبحَ القصرُ مكانا لاجتماعِ أهلِ القرية على الحب والخير والتعاون، وقد تغير اسم القصر منذ ذلك اليوم ليصبح بدل قصر الظلام قصرَ النور. وقد روى العديد من أهل القرية أنهم كانوا أحياناً يرون طفلةً صغيرةً تقف على نافذة القصر تنظرُ إلى المارةِ بسعادةٍ واطمئنان.