لم تكن مشكلتها أنها لا تنام، بل كانت المشكلةُ أن العالم كله كان ينامُ عنها. المدنُ تنطفئ أنفاسُها عند منتصف الليل وتفتحُ الأحلامُ أبوابَها للآخرين، وهي، هي تبقى خارجَ كل ذلك كحارسٍ لم يطلب منه أحد أن يحرسَ شيئاً.
الساعة الثانيةُ وعشرون دقيقة بعد منتصف الليل، كانت ترى ما لا يُرى، وتسمعُ ما لا يُسمع. ترى الظلالَ والأحلامَ وخوفَ الخائفين، وتسمعُ همهماتِ النائمين والأصواتِ الخافتةِ التي يبتلعُها الظلام.
الساعةُ الرابعة وخمسون دقيقةٍ فجراً، رأت طفلاً يبكي في حُلمه فمدت يدها ولمستهُ برفق، استيقظَ الطفلُ لكنهُ لم يرها. هنا أيقنت أنها ليست خارجَ النوم، بل في النومِ نفسُه.
الساعة السادسة والربعُ صباحاً، دقاتُ عقاربِ الساعةِ لا تتوقف، بدأت تفقدُ الإحساسَ بالوقت، الأيامُ صارت نسخاً متشابهةً باهتة تشبه بعضها، والليلُ هو الحقيقةُ الأكيدةُ الوحيدة. ولم تعد تعرف، هل الناسُ يختفونَ عندما ينامون، أم هي التي تختفي؟!!
ذات ليلة، قررت أن تنام، ليس لأنها تعبة أو نعسانة، بل لأنها أرادت أن تعودَ إنسانة. قاومت اليقظة، أغلقت عينيها، صارعت، صمدت ... نامت. وعندما حلمت، ولأول مرة لم ترَ كوابيساً ولا أحلاماً مزعجة، رأت نفسها تقفُ إلى جانب نفسِها تراقبُها، ابتسمت لأنها أخيراً فهمت: القوة الحقيقية لم تكن عدم النوم والانقسامِ بين عالمين مختلفين، بل في الانتماءِ لأحدهما.
لكن السؤال الذي بقي مفتوحا على آلاف الإجابات: من منهما استيقظ فعلاً، هي أم أحلامُها؟!!