

غزل مهنا 15 عاماً – أكاديمية المدربين، طولكرم
جلس على مقعده في حديقة البيت يحتسي قهوته بهدوء، أخذ يرتشف القهوة من فنجانه وهو يستمتع بأشعة الشمس الدافئة والنسيم الربيعي العليل. نظر أسيد باتجاه السور ليلفت انتباهه أن ظل السور…

ميرا المسلماني 15 عاماً - الخليل
كَانَ فِي السِّتِّينَ مِنْ عُمْرِهِ، ضَعِيفُ الْبُنْيَةِ أَبْيَضَ الشَّعْرِ مُحْنِيَّ الظَّهْرِ عَيْنَاهُ الظَّاهِرَتَانِ مِنْ خَلْفِ زُجَاجِ نَظَّارَتِهِ تَائِهَتَانِ مُتْعَبَتَانِ، يَجْلِسُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ عَلَى كُرْسِيِّهِ الْخَشَبِيِّ الْقَدِيمِ أَمَامَ بَيْتِهِ الْمَبْنِيِّ مِنَ الطُّوبِ، فَهُوَ لَا يَمْلِكُ سِوَى هَذَا الْبَيْتَ وَمِفْتَاحُ الْعَوْدَةِ الْمَعْدِنِيِّ الصَّدِئِ. وَحِينَ يَسْأَلُهُ حَفِيدُهُ عَلِيٌّ "شُو هَدَا يَا سِيدِي؟!"، يُجِيبُهُ "إِنَّهُ مِفْتَاحُ بَيْتِي فِي بَيْتِ جِبْرِينَ الَّتِي احْتَلَّهَا جَيْشُ الِاحْتِلَالِ فِي الثَّمَانِيَةِ وَأَرْبَعِينَ وَقَتَلَ الْعَدِيدَ مِنْ أَهْلِهَا، فَهَرَبَ النَّاسُ لِيَنْجُوا بِحَيَاتِهِمْ وَأَخَذُوا مَعَهُمْ مَا اسْتَطَاعُوا حَمْلَهُ وَأَخَذُوا مَعَهُمْ أَيْضاً مَفَاتِيحَ بُيُوتِهِمْ عَلَى أَمَلِ أَنْ يَعُودُوا إِلَيْهَا بَعْدَ حِينٍ، وَأَنَا مِثْلِي مِثْلَ الْآخَرِينَ الْكَثِيرِينَ أَخَذْتُ مِفْتَاحِي هَذَا عَلَّنِي أَعُودُ يَوْماً لِبَيْتِي، وَلَكِنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَمْ يَأْتِ حَتَّى الْيَوْمِ".

يَصْفِنُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ وَيَسْرَحُ بِأَفْكَارِهِ عَائِداً إِلَى لَوْرَاءَ عَشَرَاتِ السِّنِينَ وَهُوَ يَتَذَكَّرُ أَرْضَهُ الْعَامِرَةَ بِأَشْجَارِ الزَّيْتُونِ، وَأَرَاضِيَ جِيرَانِهِ الْمَزْرُوعَةِ قَمْحاً وَبُرْتُقَالاً وَعِنَباً. وَالْأَغَانِيَ وَالْأَهَازِيجَ الَّتِي كَانَ يُرَدِّدُهَا أَهَالِي الْقَرْيَةِ فِي مُنَاسَبَاتِهِمْ وَأَفْرَاحِهِمْ، وَحُبَّ الْأَهَالِي لِبَعْضِهِمُ الْبَعْضِ وَتَعَاوُنَهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ.
وَتَدْمَعُ عَيْنَاهُ حِينَ يَتَذَكَّرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ الَّذِي تَمَّ فِيهِ تَدْمِيرُ كُلِّ ذَلِكَ وَتَشْتِيتُ شَمْلِ أَهْلِ الْقَرْيَةِ وَتَشْرِيدُهُمْ وَتَهْجِيرُهُمْ عَلَى يَدِ قُوَّاتِ الِاحْتِلَالِ وَدَبَّابَاتِهِ وَجَرَّافَاتِهِ وَقَنَابِلِهِ. وَتَسِيلُ الدَّمْعَةُ عَلَى خَدِّهِ حِينَ يَتَذَكَّرُ كَيْفَ كَانَ صَاحِبَ أَرْضٍ وَاسِعَةٍ تُعْطِي ثَمَراً وَرِزْقاً وَكَيْفَ أَصْبَحَ لَاجِئاً يَنْتَظِرُ مُسَاعَدَاتِ وَكَالَةِ الْغَوْثِ أُسْبُوعاً بِأُسْبُوعٍ.


مَسَحَ عَلِيٌّ الدَّمْعَةَ عَنْ خَدِّ جَدِّهِ بِرِفْقٍ وَقَالَ: "لَا تَحْزَنْ يَا جَدِّي، أَنْتُمْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا الْعَوْدَةَ إِلَى بُيُوتِكُمْ وَأَرَاضِيكُمْ، لَكِنْ رُبَّمَا الْعَوْدَةُ سَتَكُونُ فِي زَمَنِنَا نَحْنُ الصِّغَارَ، فَلَا تَحْزَنْ يَا جَدِّي الْحَبِيبَ فَإِنَّنَا لَمْ وَلَنْ نَنْسَى أَنَّ لَنَا وَطَنٌ مَسْلُوبٌ مَسْرُوقٌ اسْمُهُ فِلَسْطِينُ، وَأَنَّ وَاجِبَنَا أَنْ نَسْتَعِيدَهُ يَوْماً مَا مِنْ أَيْدِي الْمُحْتَلِّينَ الْغَاصِبِينَ".
النِّهايَة