ككل صباحٍ عاديٍّ وقفتُ أمام مرآتي لأرتب ملابسي وأسرّح شعري قبل أن أذهب إلى مدرستي، استغرقني الكثير من الوقت لأغير تسريحةَ شعري، نظرتُ لساعتي فإذا بها السابعة والنصف.
- يا إلهي سوف أتأخر، قلت في نفسي.
لكن صوتاً جاء من مكان قريب هتف:
- لا، لن تتأخري، فقط اتركي شعركِ كما هو فهو جميلٌ جدا ويعجبُني.
نظرتُ بخوف باتجاه الصوت
- من؟
- هذه أنا، المرآة ... مرآتُكِ.
- ماذا؟ مرآةٌ تتكلم؟!.
- نعم يا جِنان، أنا أتكلم ولكنني دائمة الصمت، فأنا أحب أن أراقبك وأنتِ تقفين أمامي تلبسين ملابسك الجميلة وتضحكين وتدندنين، أنا سعيدة جدا لأنك بنتٌ مرتبةٌ ولطيفة.
- حقاً؟ ولماذا لم تتكلمي معي قبل اليوم؟
- قلتُ لكِ، أنا لا أحب أن أتكلم كثيرا، يكفيني أن أرى انعكاسكِ فيَّ.
- وهل ستتكلمين معي دائما من الآن فصاعداٍ؟
- طبعا يا عزيزتي، ولكن علينا أن نُبقي هذا الأمرَ سراً بيننا.
وقطع حديثهما صوتُ والدة جنان تدعوها للإسراع حتى لا تتأخر عن المدرسة.
- حسنا، يجب أن أذهب الآن، سنتحدث عندما أعود.
- حسناً، إلى اللقاء.
في ذلك اليوم وبينما كانت جنان في المدرسة ذهبت أمها إلى السوق واشترت مرآةً جديدة لجِنان، لقد أرادت أن تفاجئها في يوم ميلادها الذي سيحلُّ غداً. وبالفعل أحضرت المرآةَ الجديدة، واستبدلتها بالمرآة العجيبة. ووضعت المرآة العجيبة أمام البيت ليأخذها من يحتاجها. وحين جاء عامل النظافة رآى المرآةَ فأخذها.
حين عادت جنان من المدرسة كانت متلهفة للحديث مع مرآتِها، توجهت من فورها وبسرعة إلى غرفتها، وكم كانت الصدمة كبيرة حين لم تجد المرآة ووجدت مكانها مرآةً أخرى جديدة، "أين مرآتي؟" صرخت جنان. "لماذا؟ ألم تعجبكِ مرآتُكِ الجديدة؟" أجابت أمها. "يا ويلي، أين ذهبت؟ من أخذها؟"، "أخذها عاملُ النظافة، لماذا؟".
وخرجت جنان مسرعة من بيتها تبحثُ عن عامل النظافة، ركضت في شارع حيِّها وشوارع الأحياءِ الأخرى ... ثم لمحته، كان بعيدا عنها يكنسُ الشارع، ركضت نحوه، وحين وصلته صرخت:
- يا عم يا عم، أين المرآة التي أخذتها من أمام بيتنا هذا الصباح؟
- أوه، المرآة، شكرا شكرا، لقد بعتها بثمن لا بأس به، ثمنٌ يكفي لأشتري لأولادي خبزاً وبعض الفاكهة.
- يا ويلي، ولمن بعتها؟
- لمحل الأنتيكة ذلك، لماذا؟
- لا شيء، شكرا.
وانطلقت جنان باتجاه محل الأنتيكة وهناك رأت المرآة في إحدى زوايا المحل.
- يا عم يا عم، هذه مرآتي العجيبة، هل تأذن لي بأن آخذها؟
- ماذا؟ مرآتك؟ عجيبة؟ رد صاحب المحل ضاحكاً.
- نعم نعم عجيبة فهي تكلمني وأكلمها، حتى أنظر.
وتكلمت جنان مع المرآة ولكن المرآة لم ترد عليها، كررت المحاولة ولكن دون فائدة. جلست جنان على الأرض تبكي وترجو الرجل أن يعطيها المرآة. فجأة وأخيرا تكلمت المرآة، "يا عم، أنا فعلا أتكلم".
هنا كاد الرجل يسقط على الأرض من هول الصدمة، وبعد أن تمالك نفسه قال:
- خذيها خذيها، أنا أخاف من الأشياء الغريبة العجيبة، أخاف أن تصيبني لعنةٌ بسببها.
شكرت جنان صاحب المحل على لطفه وكرمه وحملت مرآتها وانطلقت عائدة إلى بيتها. ومن يومِها لم تفارق مرآتها يوما ومرآتُها لم تفارقها.