كان يتعرضُ للضربِ يوميا من قِبل والده الذي كان يعود للبيت يوميا وقد ثملَ من شرب الكحول، لم يكن هناك من يدافع عنه سوى والدته، لكنها كانت ضعيفةً لا تقوى على حمايتهِ، وكانت كثيراً ما تتلقى الضرباتِ عنه.
وكبُر أحمد وكبُر معه حقده على والده ونقمته عليه، لقد كانت لديه الرغبة الجامحة في التخلص من هذا الأب الشرير. أصبح أحمد حاقداً على الدنيا بأكملها، انطوائيٌّ لا يخرج من غرفته كثيراً ولا يغادر البيت إلا مضطراً. وحين كان يغادر البيت كان كثيرا ما يتشاجر مع أولاد جيرانه أو صاحب محل البقالة القريب من بيته، حتى أنه كان أحيانا يختلقُ الأسبابَ ليتشاجر مع المارة.
وفي يومٍ من الأيام وبينما كان يجلسُ وحيدا في الجبل القريبِ من بيتهم مصطحباً معه سكيناً حادة، رآى كلبا هزيلاً يقترب ناحيته، لا يعرف كيف اقترب من الكلب وقام بطعنه في بطنه، سقط الكلبُ على الأرض مضرجاً بدمه، كرر أحمد طعن الكلب مرة ثانية وثالثة ورابعة حتى سقط الكلبُ ميتاً. ودون وعيٍ منه قام بتقطيع الكلب لعدة أجزاء، ثم أخفى جثة الكلب في مغارةٍ قريبةٍ منه.
حين عاد إلى البيت لم يُبدِ أي أسف أو ندمٍ مما فعل، خلد إلى النوم، وفي الصباح الباكر غادر غرفته متسللا على أطراف أصابعه، لقد ذهب إلى الجبل مصطحباً سكينهُ حاملاً هرَّهُ المحبوب بيّوض. هناك في المغارة قام بقتل الهر وتقطيعه ودفنه بجوار الكلب، وتكررت العملية عدة مرات.
والدهُ أخذ يشكُّ في تكرار مغادرته للبيت فجراً، فقرر يوما أن يتسلل خلفهُ ليرى أين يذهب، وبالفعل تسلل الوالد في ذلك اليوم خلف أحمد، ويا لهول ما رآى، لقد رآى ابنه أحمد يذبحُ أرنبا ويقطّعهُ إرباً إرباً ثم يدفنهُ تحت التراب، لقد شعر الأب بالرعب ولا شعورياً صرخ صرخةً تردد صداها في أرجاء المغارة، فورا انتبه أحمد إلى وجود والده في المغارة، لقد شعر بغضبٍ شديد، وتذكر كل تلك الأيام التي قام فيها والده بضربه هو وأمه ضربا مبرحاً كل يوم، وما شعر بنفسه إلا وهو يقتربُ من والده رافعاً سكينه في وجهه. تراجع الأرب للخلفِ مذعورا لكنه تعثر بحجرٍ فسقط على الأرض، عندها انقضَّ أحمد على والده وهمَّ بطعنه بالسكين، لكن الأب تفادى الطعنةَ وتمكن من النهوض والهرب مسرعاً.
لم يعد أحمد إلى البيت لعدة أيام، لكنه حين عاد وجد الشرطةَ بانتظاره، لقد حاول الهرب لكنهم تمكنوا من الإمساك به، وبعد فحصهِ من قبل طبيبٍ نفسيِّ تقرَّرَ وضعه في دارٍ للأمراض النفسية.
كان الأمرُ مؤلما للأم التي لم تتوقف عن البكاء لأيامٍ وأسابيع، ولكنه كان في نفس الوقت درساً للأب الذي أيقن كم كان مخطئا حين كان يضرب ابنه في صغره مما تسبب له في هذه العقدة النفسية التي جعلت منهُ شاباً خاليَ المشاعرِ والأحاسيس.
تحسنت معاملة الأب لزوجته كثيرا، وبعد بضعة شهور تمت إعادة أحمد إلى البيت بعد أت تعافى من مرضهِ النفسي وأصبح شاباً طبيعيا. فرح الأبُ بعودة أحمد وحضنهُ وغمره بحنانِ الأب وقطع له وعداً بأن ما بدر منه قديما لن يتكرر. وبالفعل أتم أحمد دراسته الجامعية وأصبح طبيباً بيطرياً ناجحاً.