تخبَّط الجنين في رحم أمه وكأنه يضربُ طبول الحرب إيذانا بلحظة المخاض، كان ذلك في الرابع من حزيران من العام 2012 حين أدركَت صاحبةُ ساحةِ المعركة بأنه لا زال أمامها شهر لتضع مُحاربَها الصغير.
لكن ألمَ المخاض كان يزداد شيئا فشيئا، وضعت الكتابَ الذي كانت تراجعه لامتحان الغد من يدها بهدوء، وقفت بتثاقُلٍ متكئةُ على حافة السرير، جرَّت قدميها ببطءٍ واتجهت إلى الغرفة المجاورة حيثُ حماتُها أمُّ زوجِها وأخبرتها بحالها.
شدَّت حماتُها على أسنانها بغيظٍ حتى لمَعت أنيابُها وقالت: "وَجَع مْسافِر"، أي وجعٌ مؤقت. لكن الألَمَ لم يرحم أحشاءَ مرام طيلة ثلاثِ ساعات، فقد كان كجيشٍ يهاجمُ جسمها بكل ما أوتيَ من أسلحة. وبعد معاناةٍ طويلة قرر زوجها وأمه أن يأخذاها إلى الطبيب وهما يُطلقان عباراتِ الاستهزاء والاستهانة بها وبحالتها وكأنهما أدرى بحالها منها.
وصلوا إلى عيادة الطبيب، ومن فورها استلقت على سرير الفحص، وفور بدء الطبيب بفحصها بدت على وجهه معالم الصدمة، وحين نظرت إلى وجه الطبيب نظرةَ استجداءٍ وتوسلٍ قال عبارتهُ القاتلة: "أنتِ واثقةٌ بالله وامرأةٌ مؤمنة، للهِ ما أعطى وللهِ ما أخذ، رحم الله ما في أحشائِك، لقد فارقَ الحياةَ من نصفِ ساعة".
كان وقع الخبر على مرام كالصاعقة، حالٌ لم يكن يُفترض أن يكون لفتاةٍ لم تبلغ الثامنة عشرة من عمرها بعد، لقد كانت طفلةً فارَقت طفلةً كانت تقطن أحشاءها. توجهوا بها إلى المشفى والأفكار تتضارب في رأسها: "ماذا لو صدَّقوا ألمي؟!" ... "ماذا لو بدأت أبكي في الطريق للمشفى؟!" ... "ماذا لو كنت أقرأ في كتابيَ الآن؟!" ... ماذا وماذا وماذا ...
هناك في المشفى وضعَت مرام جنيناً مكتملاً، جنيناً لا ينقصهُ إلا النبض، لا تنقصهُ إلا الروح. وضعوهُ بجانبها بلا صوتٍ بلا بكاءٍ بلا تنفسٍ وبلا حياة. ما أعظمَ الوجعَ حين ترى مهجة قلبكَ الذي انتظَرتَهُ دقيقةً بدقيقة ولحظةً بلحظة ملقىً بجانبكَ بارداً كقطعةٍ لحمٍ ميتة.
ودَّعته أمه بعينٍ دامعة، ودَّعته ببكاءٍ مكتومٍ يكادُ يخنقها، ودَّعتهُ بيدٍ مرتجفةٍ، كانت تحلم أن تحملهُ، تطعمهُ، تلاعبهُ. "مع السلامة يا حبيبي".
وحين سألوها هل تريدين شيئا، كان ردها: "أحضروا لي المصحف".