أعشقُ طائرَ البوم، فأنا بعكس أولئك الذين يعتبرون البوم طائراً بشعاً ويعتبرون صوته نذيرَ شرٍّ وشؤمٍ أعتبرهُ من أجملِ الطيور وأكثرها هدوءً وذكاءً. وذات يوم أتيحت لي الفرصة للسفر إلى الهند لإكمال تعليمي للحصول على شهادة الماجستير في علم ما وراءَ الطبيعة (الميتافيزيقيا). وفي إحدى جولاتي في أحد أقدم أسواق نيودلهي الشعبية، وقع نظري على بومة فاتنة الشكل فائقة الجمال تجلس بهدوء في قفصٍ خشبيٍ قديمٍ أمام أحد محلات بيع الطيور. اتجهت فورا إلى تلك البومة، نظرتُ إليها، تأملتها، تفحصتها بنظري، وحين التقت عيناها بعينيّ شعرتُ بشيءٍ غريب لم أفهمه حتى اليوم، لقد رأيت في عينيها سحراً يدفعني لشرائها والاحتفاظِ بها.
وبالفعل، اشتريتُ تلك البومة وأحضرتُ لها قفصاً ذهبياً بدل القفص الخشبي القديم، نظَّفتُها ووفرتُ لها الطعام والماء ووضعتها على منضدة في غرفة الدراسة. وذات ليلة كنت أجهزُ بحثاً عن الأديان في الهند ولم أكمل البحث لشعوري بالتعب والارهاق فتركته وخلدت للنوم، وفي الصباح أصبتُ بالصدمة حين وجدتُ البحثَ قد اكتمل. أخذت أتذكر وأتذكر هل يعقل أن أكون قد أكملته وأنا لا أشعر؟!.. ومرت الأيام وتكرر الموضوع، كنت أكتب البحث تلو الآخر وأنهض في الصباح لأجده جاهزا فقررت أن أكتشف السر وراء ذلك. فاشتريتُ كاميرا صغيرة وثبتها في غرفتي. وفي إحدى المرات التي تركت فيها أحد الأبحاث غير مكتمل خلدت للنوم، وفي الصباح هرعت إلى الكاميرا لأتفقدها ولم أصدق عيناي وظننت أنني أحلم، فيا لهول ما رأيت.
لقد رأيت البومة تفتحُ باب القفص وتخرج منه وتتحول إلى فتاةٍ فائقة الجمال، لتجلس على مكتبي وتفتح جهاز الكمبيوتر الخاص بي وتكمل كتابة البحث. نظرت إلى البومة فإذا بها تنظرُ إلي بعينين دامعتين، اقتربتُ منها بفضول وقلت: "إن كنتِ جنيةً فلا تؤذيني، وإن كنتِ إنسيةً فأخبريني قصتك". هنا تكلمت البومة وقالت: "بل إنسيةٌ حلت عليها لعنة الساحر الشرير جوهان خان وذلك لأنني رفضت الزواج منه". فما كان مني إلا أن فتحت باب القفص وأخرجتها فوقفت على ذراعي وقالت: "المشكلة أنني لا أعود إلى هيئة البشر إلا في الليل". "ما الحل إذاً؟" سألتها، فأجابت: "الحل أن أتزوج، فهل تقبل بي زوجة لك؟". لقد فاجأني السؤال، ولكنني لم أتأخر بالجواب "نعم" قلت لها، فقالت: "حسناً، عند غروب الشمس سأتحول إلى إنسية وساعتها يمكننا أن نتزوج وهكذا لن أعود إلى هيئة البوم ثانيةً أبداً". وبالفعل هكذا كان، فقد تحولت مع الغروب إلى إنسيةٍ وتزوجنا وأكملنا تعليمنا معاً في نفس الجامعة وعدنا إلى أرض الوطن مصطحبين معنا ابننا الوحيد سليمان.