"توقفي" ... سمعتُ الحارسَ الواقفَ خارجَ بابِ مكتبي يصرخ بغضب، لكنها لم تتوقف، فتحَت باب مكتبي واقتحمت المكانَ وهي تبكي وتصرخ: "دعوني أراها دعوني أراها". كانت فتاةً في الخامسة عشرة من عمرها، ملابسُها شبهُ بالية لكنها فائقةُ الجمال، تقدمت مني ومدة يدها وقالت: "أريدُ بعضَ المال يا سيدتي فأنا جائعة".
حين نظرتُ في عينيها ورأيت مقدار الحزنِ الذي يسكنهما ذكَّرتني بنفسي حين كنتُ بنفسِ عمرها لا أملكُ ثمن وجبةِ طعام بعد أن توفي والدايَ في حادثِ سيرٍ وبقيتُ وحيدة، وتذكرتُ الرجل الطيب الذي ساعدني وتبناني واعتبرني ابنتهُ، وتذكرتُ كيف عشتُ معهُ حتى فارق الحياة بعد أن كتب لي كل أملاكه، فانقلبت حياتي تماما لأتحولَ إلى أصغر وأغنى سيدة أعمال تديرُ أكبر شركةِ مقاولات في المدينة.
هدَّأتها وأجلستُها وطلبتُ منها أن تحكي لي حكايتها.
- إسمي أمل، كنتُ وحيدةَ أمي وأبي، وكان أبي فقيراً جدا، وحين بلغت الرابعة عشرة طلبتني عمتي زوجةً لابنها، لكنني رفضتُ طبعا فأنا ما زلتُ صغيرةً ولا أعرف ما الزواج ولا أحسنُ رعاية بيتٍ وأسرة. لكن عمتي أغرت والدي بالمال، فهي امرأة غنية تملك مالاً كثيراً، مما جعل أبي يوافق على زواجي من ابن عمتي، وقاموا بتحديد موعد العرس وترتيبِ كل شيء. وقبل الموعد المقرر بيوم، عندَ الفجر، تسللت من البيت وهربت. تسولتُ في الشوارع ونمتُ في الزقاق وعانيتُ كثيراً، وحين سُدَّت في وجهي كل الطرق قررتُ القدومَ إلى هنا لطلب المساعدة، فقد قال لي بعض الرفاق الذين يتسولون معي بأنكِ شابةً طيبة القلب تحبين مساعدة المحتاجين ... وأنا محتاجة".
- واللهِ إني أراني فيكِ ... ابقَي هنا لنصفِ ساعةٍ فقط وبعدها سنغادر معاً.
وبالفعل، صحبتُها معي إلى المنزل، وهناك كان الخدمُ قد جهزوا مائدة من كل ما لذ وطاب من اللحوم والسمك والمشاوي والخضار والفاكهة والحلوى. لقد أكلَت دون وعي، أكلت وأكلت حتى هُيءَ لي بأنه لم يعد هناك متسعٌ للقمة واحدة في معدتِها. ثم ارتخت على كرسيِّها ونامت.
ساعدتني خادمتي في نقلها لإحدى الغرف حيث مددناها على السرير. وفي صباح اليوم التالي غادرتُ إلى عملي بعد أن أوصيتُ الخادمة بأن تعتني بها وتنظفها وتُلبِسها أجملَ الملابسَ حتى أعود. وحينَ عدتُ من عملي رأيتُ أجملَ بنتٍ في حياتي، لقد كانت مشرقةً كالشمسِ بثوبها الأصفر وشعرها الأسود الطويل الذي يشبهُ شلالاً من العَتمة. تناولنا طعام الغداء معا وتحدثنا طويلا وضحكنا وتمشينا في حديقة القصر حتى تعبَت أقدامُنا.
لقد قررتُ إبقاء أمل معي وتبَنّيها كما تبناني ذلك العجوز الطيب. أدخلتُها أرقى المدارس، وألبستُها أثمن الملابس، وأخذتها معي في سفري وترحالي، وعلمتها أسرار شركتي حتى أصبحت من أفضل الناس الذين يمكن أن يديروا الشركة.
وذات يومٍ شعرتُ بدوارٍ شديدٍ وسقطتُ على الأرض، أخذتني أمل إلى المشفى على الفور، وبعد إجراءِ العديد من الفحوصات تبين بأنني أعاني من ضعفٍ في عضلة القلب، فنصحني الطبيب الراحةِ التامة وحذرني من الزواج. هنا اتخذتُ قراري، لقد قررتُ أن أسلم أمل كل شؤون الشركة. وبالفعل سلمتها الشركة بكل ما فيها، وجلستُ أنا في القصر لأستمتع بما تبقى من حياتي.
كبُرت شركتُنا بفضل ذكاءِ أمل وبراعتها في العمل، وأصبحت أكبر شركةٍ في المملكة، وتزوجت وأنجبت بنتينِ آيةً في الجمال ربيتُهما على يدي كما لو كانتا بنتيَّ فعلاً.