قمرٌ شاحبُ الوجهِ ذابلٌ يلقي بنورهِ الضعيفِ فوق البيوتِ والشوارعِ المغطاةِ بماءِ المطر. سرتُ ليلتها في الزقاقِ وكان لظليّ حضورٌ غريب، كان ظلي يمتدُّ على الإسفلت بوضوحٍ يفوقُ كثافةَ جسدي.
الضوءُ والمطرُ وانعكاسي ... وظِلّي. توقفتُ لأعدلَ ياقةَ معطفي، لكن ظلي لم يتوقف، تجمدَ الزمانُ في عروقي وأنا أراقب ظلي يسبقني وينسلُّ بهدوءٍ مرعبٍ وكأنه قد اتخذ قراراً بالانفصالِ عني ... وعن كذبة الانتماءِ إليّ.
ركضتُ نحوهُ، ناديتهُ بصوتٍ مخنوق، لكنهُ مضى بإرادةٍ صلبةٍ وكأنهُ يملكُ ملامحَ أضعتُها منذ زمن. ركضتُ خلفهُ، ركضتُ كثيرا حتى توقفَ عند زاويةِ الشارعِ المظلمة حيث يختلطُ السوادُ بالفراغ، توقفَ ثم التفت نحوي. نعم، لقد رأيت ملامحهُ تتحرر من كل شيءٍ لتصبح تجسيداً لكل خفاياي.
همس بصوتٍ أألفهُ جيداً، صوتٌ هو صدىً لصوتي، لكنهُ أكثرَ حدةً وأنقى "مللتُ الركوعَ خلفك، مللتُ السير معك، مللتُ كونيَ مجردَ انعكاسٍ لخطواتٍ لا تعرفُ أين تذهب!".
دبَّ الرعبُ في قلبي وشعرتُ برعشةٍ تسري في جسدي، لا من بردِ المساءِ بل من الحقيقةِ الموجعة. تسللت عشرات الأسئلة إلى ذهني، "كم مرةً وأدتُ رغباتي لأبدو مناسبةً في عيون العابرين؟! كم مرةً استعرتُ وجوهاً لا تشبهُني لأرضيَ زِحامَ قلوبِ مَن حولي؟! وكم مرةً لم أكن أنا في صراعي مع اللا شيءَ ... والشيء؟!".
خطوتُ نحو ظلي ببطءٍ وفي عينيّ اعترافٌ مرٌ ومؤلمٌ وأنا تعِبةٌ من كوني النسخةَ التي يتوقعُها الجميع بينما النسخةُ التي أريدها تسكنكَ أنت؟. وساد صمتٌ ثقيلٌ تلاشى فيه صوتُ الريحِ وتوقف المطر. لم يعد الظل تحت قدمَي، بل شعرتُ بهِ يتسلل إلى داخلي، يتغلغلُ في مسامِ جسدي، يسكنُ في الفراغات التي تركها الترددُ في روحي.
وعادت خطواتُنا لتتحدَ من جديد، لكن هذه المرة لم يعد هو التابعُ، فقد أصبحنا جسداً واحداً وقراراً واحداً.
ومنذُ ذلك المساء لم أعد ألتفتُ خلفي لأتأكدَ من وجودِ ظلّي ... بل صرتُ أنظر في مرآةِ نفسي لأتأكد بأنني لا زلتُ هناك بكلِّ ما فيَّ من عَتمةٍ ونور.